بدأت تسييرية نقابة المحامين في إعداد مشروع الدستور الانتقالي، في خضم صراع سياسي بين السودانيين يتعلق بعشرات المبادرات الرامية إلى حل الأزمة التي سببها انقلاب 25 تشرين الثاني /أكتوبر 2021. كثير من هذه المبادرات انتهى بمجرد إعلانها واثنتان منها سببت جدلًا لارتباطها برجال دين: بادر المتصوف الطيب الجد بدعوى، أيدها أنصار الرئيس المعزول عمر البشير ورئيس الحكم العسكري عبد الفتاح البرهان، انتهت بعقد مؤتمر منح الجيش الوصاية على البلاد. والثانية أطلقها رجل الدين محمد الجعلي، فحُظيت بدعم الأحزاب المؤيدة للديمقراطية والحركة الاحتجاجية، انتهت بعقد لقاءات دون التوصل إلى اتفاق.

ليس بالضربة القاضية

ظل المجتمع المدني فاعلا في الفضاء العام منذ شروع مثقفين في تأسيس الأحزاب السياسية في 1945عام، لكن قادته اختاروا الانضمام إلى ركاب الطائفتين الكبيرتين: طائفة الأنصار التي ترعى حزب الأمة وطائفة الختمية التي ترعى الحزب الاتحادي الديمقراطي. قاد هذا الأمر لاحقًا إلى تأسيس القوى السياسية على أساس ديني مثل الحزب الجمهوري والإخوان المسلمين أو على أساس أيديولوجي مثل الحزب الشيوعي.1 ولهذا، انحصرت مهام المجتمع المدني في الدفاع عن حقوق الفئات المكونة له مع التطرق، بين الحين والآخر، لقضايا انتهاكات ترتكبها السُّلطة والتوصية بما ينبغي عليها فعله؛ لكن هذا الأمر تغير. 

في البداية، عقدت تسييرية نقابة المحامين ورشة عمل شاركت فيها جميع القوى الداعمة الانتقال، ومن خلال توصياتها أعدت مشروع الدستور الانتقالي الذي تحدث عن تأسيس دولة مدنية تقوم على استقلال السُّلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وحرية الصحافة والدين والعلم، إضافة إلى حسم قضايا جدلية مثل تحقيق العدالة لضحايا عنف الدولة وحظر أنشطة الجيش التجارية وخضوعه إلى السُّلطة المدنية. هذا الدستور ولصدوره من مؤسسة مجتمع مدني مستقلة توصلت إليه بعد نقاشات معمقة في الفضاء العام، وجد دعما دوليا فور الفراغ من صياغته.

بمرور الوقت، سيكون المجتمع على قدر التحدي

قادت المناقشات التي تُجرى في السودان منذ انطلاق الاحتجاجات الشعبية في كانون الثاني/ ديسمبر 2018، فيما يتعلق بالعدالة والحرب والسلام وحقوق الإنسان والظلم الواقع على المرأة والدولة المدنية وإبعاد العسكر عن الشأن السياسي وفصل الدين عن الدولة، إلى تشجيع المجتمع المدني  على كشف الانتهاكات بصورة دائمة مثل لجنة الأطباء التي تعلن عن ضحايا وإصابات المتظاهرين، ومحامو الطوارئ الذين يترافعون، مجانًا، عن المتضررين من عنف الدولة. ومع ذلك، يظل طموح المجتمع المدني هو العمل على تهيئة الأوضاع للديمقراطية وحمايتها؛ وهذا ما فعلته تسييرية نقابة المحامين بمبادرة إعداد الدستور الانتقالي الذي وافق قادة الجيش على أن يكون أساسًا لنقل السُّلطة إلى المدنيين، وذلك دون أن تتأثر دعاوى التشكيك ومحاولات حل تسييرية النقابة بهذه الموافقة.
 
بالنسبة إلى الجيش، فإن العزلة الدولية المفروضة عليه والسخط الشعبي على من استند عليهم سياسيًا والتدهور الاقتصادي وعدم تجريم الانقلاب واحتفاظ قادته بمناصبهم العسكرية، شكلوا دافعًا قويًا لقبول مسودة الدستور التي وافقت القوى السياسية عليها، وذلك بسبب بحثها الدائم عن الآليات السلمية لتحويلها إلى فعل سياسي تمنحه لاحقًا الشرعية القانونية اللازمة، إضافة إلى كون المسودة تراعي مصالح جميع فئات المجتمع، حيث أقرت مسودة الدستور المواطنة وحرية التنظيم النقابي وتخصيص 40% من مناصب الدولة للنساء، علاوة على تناولها موضوع معالجة الوضع الاقتصادي واستكمال السلام وإعادة 3.7 مليون نازح إلى مناطقهم وحل أزمة شرقي السودان. 

بعد ذلك، انخرط الجيش والحرية والتغيير وقوى أخرى في تفاهمات قادت لتوقيع اتفاق مبدئي، يعقبه مباحثات في قضايا العدالة والسلام والإصلاح العسكري لتضمين ما يتوصل إليه في اتفاق نهائي يأمل أن يقود إلى ديمقراطية تحتاج إلى مجتمع مدني قوي لحمايتها من أي محاولة مستقبلية للانقضاض عليها. ويمكن القول، أنه مع مبادرة تسييرية نقابة المحامين انتقل المجتمع المدني السوداني من استجداء السُّلطة بما يجب أن تفعله لصالحه، إلى وضع إطار ديمقراطي تحكم على أساسه، وهنا يمكنه أن يُحاسبها بأدوات الضغط التي يملكها مثل الاحتجاج والإضراب عن العمل في حال حادت عن هذا الإطار.

يوسف بشير، صحافي سوداني، لمتابعته على تويتر: @youseifbasher

ملاحظة: 

1النور حمد، مهارب المبدعين. دار مدارك للنشر، الطبعة الثانية 2013.