في الأسابيع الأخيرة، بعد أشهر قليلة من الهدوء، طفت حركة استقلال القضاء في مصر في مواجهة رئيسية مع "المجلس الأعلى للقضاء"، الذي ينظر إليه أنصار الإصلاح من القضاة باعتباره وثيق الصلة بالسلطة التنفيذية أكثر مما يجب. واستجابة لإجراءات المجلس لمحاكمة القاضيين الإصلاحيين هشام البسطويسي ومحمود مكي بزعم اتهامهما قضاة آخرين بارتكاب تزوير انتخابي، نظم القضاة اعتصاما ضخما في نادي القضاة في القاهرة. خرج مئات من المتظاهرين إلى الشوارع تضامنا. وأرسلت آلاف من قوات الأمن لتفريق المظاهرات، ما أدى إلى مئات الاعتقالات وما تردد عن عمليات ضرب. زادت المسألة تعقيدا عندما أصيب البسطويسي بأزمة قلبية في 17 مايو. ورغم أن القاضيين أصبحا بطلين شعبيين، بل ويمكن أن ينتصرا في النزاع الحالي، فمن المحتمل أن يراوغ التحقيق الهدف المركزي للحركة بإصدار قانون جديد يحمي استقلال القضاء.

 

شن القضاة حركتهم من أجل التغيير في اجتماع صاخب في مايو 2005 حيث هددوا بمقاطعة إشرافهم على انتخابات خريف 2005 ما لم تستجب الحكومة لمطالبهم بقانون جديد وإصلاحات أخرى. حتى الآن، كان إنجازهم الرئيسي هو بناء قاعدة تأييد عن طريق اللعب بسياسات وطنية كبيرة ـ ما يجافي طبيعة القضاة. أولا، أضاف زعماء الحركة ببراعة الأهداف التي تتمتع بتأييد واسع مثل الطلب بانتخابات نظيفة وإنهاء حالة الطوارئ وحماية الحريات المدنية، إلى جدول أعمالهم الذي كان يتكون من الطلب بإنهاء سيطرة وزارة العدل على ميزانية القضاء، وأن تقوم السلطة القضائية بانتخاب رؤساء المحاكم، وجعل نادي القضاة وليس المجلس الأعلى للقضاء الممثل الرسمي لمصالح رجال القضاء. واستخدموا الإعلام لنشر رسائلهم، وأصدروا تقارير جارحة لإدارة الحكومة لانتخابات 2005، وهددوا بإضرابات كبيرة، وأقاموا علاقات مع المشرّعين المتعاطفين (أغلبهم من المعارضة). كما أعاد النادي في ديسمبر 2005 انتخاب القيادة الموالية للإصلاح. جعلت هذه التحركات، مع ما تتمتع به السلطة القضائية تاريخيا من الاعتبار، من الحركة أكثر قوى الإصلاح في مصر احتراما. ويتبنى قضيتهم الإخوان المسلمون والأحزاب السياسية ونقابة المحامين وغيرها من جماعات المجتمع المدني، إضافة إلى كثير من الصحافيين البارزين. كما أن نشاط نادي القضاة حرك تموجات من الاعتراض داخل نقابات مهنية أخرى تسعى إلى الانعتاق من سيطرة الدولة.

 

مع ذلك، لم يحصل القضاة بعد على أي تنازلات من الحكومة ما يرجع أساسا إلى مواضع ضعف في حركتهم. فليس هناك عمل على قانون جديد (هناك مشروع قانون منذ 1991)؛ ولم يستطع النادي إجبار المجلس الأعلى للقضاء ( الذي عليه أن يراجع مشروع القانون قبل إرساله إلى البرلمان) على الموافقة على مطالب النادي أو حتى أن يصدر رأيه في التشريع. في النهاية تراجع النادي عن تهديده برفض الإشراف على عملية الاقتراع، ما حرم الحركة من ورقة مساومة رئيسية. قبل انتخابات سبتمبر الرئاسية، استبعدت "لجنة الانتخابات الرئاسية"، تحت ضغط من وزارة العدل، حوالي 1000 قاضٍ ( يقال إنهم من اعتبروا أنصارا للإصلاح) من ترؤس مراكز اقتراع. مع حلول الانتخابات البرلمانية بعد شهر من ذلك، أعرب القضاة من المراتب الدنيا، خوفا من إدراجهم على قائمة سوداء في الوزارة، عن استعدادهم للقيام بواجباتهم الانتخابية. ولم تتحقق التهديدات بإضراب وطني للمحاكم، بسبب اعتقاد كثير من رجال قضاء أنه يجدر بهم الابتعاد عن السياسة.

 

تعوق التشققات داخل الجسم القضائي التعبئة الضرورية للضغط على الحكومة حقا. فمعظم قضاة مصر الـ8.000 يؤيدون جدول العمال الإصلاحي، لكنهم أساسا موظفو حكومة مخلصون، ما يترك مئات فقط من الناشطين الحقيقيين. تعزز الحكومة مثل هذه الانقسامات بموقفها الرسمي القائل إن النزاع هو ببساطة نزاع داخلي بين نادي القضاة والمجلس الأعلى للقضاء. وربما تكون الجماعات الخارجية صالحة للاعتماد عليها بقدر كافٍ كحلفاء يضغطون ضغطا قويا من أجل الإصلاحات، خصوصا تلك الأهم بالنسبة للقضاة العاديين. على سبيل المثال، رغم التأييد الصاخب للقضاة الإصلاحيين من جانب أعضاء بارزين في نقابة المحامين، تجاهلت النقابة المشكلة الشائعة لاعتداء المحامين على القضاة في قاعات المحاكم. في الحقيقة، كان الغضب من هجوم على قاضٍ في الإسكندرية في أبريل الماضي هو ما دفع قضاة كُثر إلى الاصطفاف من أجل الإصلاح.

 

كما أن حماس الإعلام لقضية القضاة قد يكون سطحيا. فكثير من الصحف تواصل نشر مقالات تشعل الشعور العام حول الإدانة أو البراءة في قضايا معروضة وتكشف عن معلومات سرية تخص المحاكم، وترفض نقابة الصحفيين معاقبة هذه الانتهاكات للأخلاق والقانون، التي تعقِّد بشدة العمل اليومي للقضاة. يثير هذا الاضطهاد للسلطة القضائية القلق من أن الائتلاف الذي يبدو داعما للقضاة قد يكون في الحقيقة مجموعة من الجماعات المعادية لنظام الحكم أكثر من كونها حركة حقيقية من أجل استقلال القضاء وكرامته وحكم القانون. إذا صح هذا القلق، سيكون على القضاة النشطاء الشجعان أن يقاتلوا الدولة منفردين، معززين السلطة التنفيذية باعتبارها الحَكَم النهائي في مجتمع سياسي ضعيف ومنقسم.

 

آيمي هوثورن مدير مركز هولينغ للحوار الدولي وهشام نصر يُكمل رسالته للدكتوراه في القانون.