تمتع العراق بتربة من أجود أنواع التربة وأكثرها خصوبة على مستوى العالم، ومثلت الزراعة 18 في المئة من الناتج الاقتصادي المحلي في عام 1995، إلا أنه وبعد 30 عاماً من الحروب والنزاعات تدهور هذا القطاع بشدة إلى أن أصبح بالكاد يمثل 2 في المئة من الناتج الاقتصادي في 2019.

بالقرب من العراق، استطاع القطاع الزراعي في سوريا أن يصمد خلال 9 أعوام من الحرب الأهلية وسط أوضاع اقتصادية متردية وسخط شعبي وأن يحافظ على إنتاجه القومي والذي يمثل نحو 26 في المئة من الاقتصاد السوري، إلا أن ذلك لن يدوم طويلاً حيث إن خطر انعدام الأمن الغذائي يلوح بالأفق ويمثل تهديداً مباشراً ل 60 في المئة من الشعب السوري. يرجع ذلك للمصادرة الجائرة للأراضي الزراعية وتهجير المزارعين من قبل النظام السوري ما يزيد في تدهور الأوضاع في الريف السوري والقطاع الزراعي ككل.

الحال الذي آل إليه القطاع الزراعي في العراق بعد أعوام من النزاعات المسلحة، قد ينذر بمسار مشابه في سوريا، حيث تمثل الظروف الزراعية في مرحلة ما بعد الحرب في العراق نموذجاً للوضع المتوقع في سوريا في ظل المحاولات المتخبطة لإعادة الإعمار.

ساهمت عدة عوامل في تدهور الوضع الزراعي في العراق، مثل تنظيم الدولة الإسلامية والمجموعات المسلحة الأخرى التي دمرت أجزاءً من البلاد، لكن على الرغم من إضرارها بالوضع العام إلا أنها لم تكن السبب الأساس لتراجع قطاع الزراعة في العراق، بل كان نشوء عوامل مثل المحسوبية والفساد المنظم الناتج عن الحروب التي خاضها العراق في عام ٠1980 و2000 هو السبب الرئيس لتردي الأوضاع في القطاع الزراعي وقد بدأ ذلك قبل سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية وغيرها بعقود من الزمن.

أُجبر آلاف المزارعين العراقيين على ترك أراضيهم الزراعية للمشاركة في القتال في الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988، وكان ذلك أول العوامل التي ألحقت ضرراً بالغاً بالقطاع الزراعي العراقي، تلى ذلك سياسات الخصخصة التي قام بها صدام حسين في القطاعات العامة في البلاد وأبرزها الصناعات الغذائية، حيث تم تحويل مصانع القمح والشعير والأرز والتمور والقطن إلى القطاع الخاص ما جعل حق امتلاك المصانع الغذائية حكراً على عائلات معينة دون غيرها. يشبه ذلك ما حدث في سوريا في عامي 1970 و2000 إبان عملية التحرير الانتقائي التي قام بها حافظ الأسد.

بعد بلوغ إنتاج العراق من التمور في عام 1980 نحو مليون طن سنوياً مشكلاً بذلك 75 في المئة من الاستهلاك العالمي، تسبب إهمال إدارة صدام حسين للقطاع الزراعي والتدمير الجائر للأشجار في خفض هذا الإنتاج إلى النصف بحلول نهاية الحرب العراقية الإيرانية عام 1988كما دفع النظام القائم على المحسوبية والفساد بأصحاب التجارات الواعدة في المناطق الريفية إلى اللجوء لأساليب تجارية تهدف لزيادة الربح الفوري من بيع السلع الغذائية، وذلك على حساب الاستثمارات التي من شأنها تحقيق استقرار غذائيا على المدى البعيد. كما تسبب التخطيط السيئ لمشاريع الري في العراق في استنزاف حاد لمصادر المياه ما أدى إلى أزمة جفاف بحلول عام 1990.

تفشت ممارسات الفساد والمحسوبية في العراق بعد الحرب العراقية الإيرانية حيث اقتصرت ملكية الأراضي الزراعية على بعض العائلات المقربة من النظام العراقي، واستمر النظام العراقي في هذه الممارسات إلى أن دخلت الولايات المتحدة إلى المعادلة بعد غزو العراق عام 2003 حيث تعامل الغزو الأمريكي مع النظام القائم في العراق بطريقتين متناقضتين; في البداية،  قامت الولايات المتحدة برعاية شبكات المصالح الفاسدة القائمة آنذاك، حدث ذلك عام 2003 عندما رسخت الولايات المتحدة نظام المحسوبية والمحاباة حين تحالفت مع المجموعات العراقية المسلحة المسيطِرة لفرض نقاط تفتيش وممرات تهريب النفط والمنتجات الغذائية.

أما بعد عام 2003، غيرت الولايات المتحدة نهجها في التعامل مع النظام العراقي حيث ارتأت أن هذه النخب المنتفعة لم تعد مناسبة مع مرحلة إعادة إعمار العراق، وبالتالي سعت لحلها، وتم بالفعل تحجيم هذه النخب وإذابة شبكات مصالحها، ولم تتوقف الولايات المتحدة عند ذلك، بل شملت الإجراءات كل ما اتصل بالنظام العراقي السابق وما يمثل صدام حسين سواء من أفراد أو الجماعات، وبما أن هذه النخب احتفظت بسيطرتها بشكل أساس على مصانع البذور والأسمدة، تسببت القرارات الأمريكية الرامية إلى تذويبها وتحجيم نشاطها بأضرار بالغة في القطاع الزراعي العراقي، وصلت إلى حد تهديد الأمن الغذائي بعد الغزو الأمريكي في عام 2003.

في إطار الخطط الأمريكية لإعادة إعمار العراق في فترة ما بعد الغزو عام 2003، قررت الولايات المتحدة منح التمويل الحكومي لأعضاء مختارين في مجلس الحكم العراقي ممن تربطهم علاقات قوية بالولايات المتحدة كأحمد الجلبي، رئيس مجلس الحكم العراقي والذي تلقى شريكه التجاري أبو الهدى فاروقي عقوداً تجارية بقيمة 80 مليون دولار لتأمين حقول النفط في العراق.

استمر التراجع في القطاع الزراعي في العراق خلال فترة ما بعد الحرب، حيث لم تشمل الخطط الأمريكية لإعادة الإعمار المناطق الريفية الزراعية بل ركزت على المدن الرئيسة بينما كانت المناطق الريفية تعاني من شح المياه، والتفجيرات المتكررة ما جعلها غير صالحة للزراعة.  جاءت السياسات الأمريكية المهمِشة للقطاع الزراعي بالتوازي مع سيطرة الشركات العراقية وإزاحة المزارعين خارج السوق المحلي والتضييق عليهم، كما استمرت سياسات إعادة الإعمار بتهميش القطاع الزراعي حيث ذهب جُل التمويل الأمريكي لمشاريع تجارية أخرى بزعم أنها توفر ربحاً أكثر وبشكل أسرع من الزراعة.

لم تختلف السياسات الأمريكية في خطط إعادة الإعمار كثيراً عن عهد صدام حسين، إذ كان يمارس المحسوبية والمحاباة ويعطي الحظوة والأفضلية لحلفائه دون غيرهم، وتبعته السياسات الأمريكية بالممارسات ذاتها حيث اقتصر التمويل الأمريكي على الحلفاء والمقربين فقط. تمكنت الولايات المتحدة، من خلال سياساتها الانتقائية في التمويل ومنح العقود، من فك الارتباط بين القطاع الزراعي ونظام صدام حسين، إلا أنها لم تنجح في تحقيق أي تنمية مستدامة أو تعافياً حقيقياً للاقتصاد، وبالتالي فإن القطاع الزراعي ما زال يعاني من التهميش والإقصاء. بعد مرور أكثر من 15 عاماً على الحرب، يمكن الجزم بأن التمويل الأمريكي الهائل قد فشل في تقديم أي مساهمة ملموسة في الاستقرار السياسي في البلاد حيث لايزال العراق يرزح تحت وطأة انعدام الأمن المدني والغذائي على حدٍ سواء.

استمرت سلسلة التدهور بعد غزو قوات تنظيم الدولة الإسلامية للمناطق الريفية شمالي العراق عام 2014 حيث فقد معظم المزارعين أراضيهم الزراعية ونزحوا إلى المدن، وفي هذه الأثناء، قامت عناصر التنظيم ببيع نحو40 في المئة من المعدات الزراعية الخاصة بالمزارعين وقاموا بتدمير الباقي، وكانت المحصلة هي انخفاض الإنتاج الزراعي بنسبة 40 في المئة على الأقل.

أما بالنسبة لأوضاع القطاع الزراعي في سوريا، فهي متأثرة بطبيعة الحال بالوضع السياسي في العراق، ومحاطة بظروف فساد لا تختلف كثيراً عنه. منذ بداية الحرب في سوريا، استغل بعض التجار سيادة الفوضى لاحتكار المواد الأساسية وإدخالها إلى سوريا عبر قنوات تهريب تمر من خلال نقاط تفتيش وتحصيل ضرائب، قاموا بفرضها في مختلف أنحاء البلاد. كان الأخوة من عائلة قاطرجي مثالاً صارخاً على الانتفاع من ظروف الحرب، حيث قاموا باستيراد القمح من المناطق المحيطة بدمشق الواقعة تحت سيطرة تنظيم الدولة واحتكار بيعه، وأدى هذا الاحتكار إلى زيادة نفقات الإنتاج الزراعي ما أدى إلى زعزعة السوق العام، هذا يشبه إلى حد كبير الوضع في العراق إبان الحرب حيث وقع السوق الزراعي ضحية استغلال النخب المنتفعة التي احتكرت حق التجارة فيه ما ساهم في تراجعه إلى حد كبير.

علاوة على ذلك، ساهمت التشريعات القانونية في سوريا لعام 2016 التي تنص على الشراكة بين القطاع العام والخاص بإتاحة الفرصة للقطاع الخاص لمضاعفة رأس المال من خلال عقود حكومية ذات هامش ربح عالٍ، ما شكل فرصة مثالية أمام أعمدة المقاولات في سوريا مثل سامر فوز ووسام قطان ومحمد حمشو لاستغلال العقود الحكومية المخصصة لإعادة إعمار بعض المدن السورية، والتي اكتسبوا من خلالها أرباحاً فورية، متجاهلين بذلك أي خطط للتنمية المستدامة في المناطق الريفية وتطوير الزراعة فيها بصفتها استثماراً طويل الأمد.

 نظراً لحالة الفساد والانتفاع التي تسيطر على المجتمعات الواقعة تحت وطأة النزاعات المسلحة، فإنه على ما يبدو أن المبالغ المقترحة لإعادة الإعمار في سوريا لن تكون كافية مطلقاً، حيث تقدر تكلفة العملية 250 مليار إلى ترليون دولار، بالإضافة إلى أن غالبية مشاريع الدعم الأجنبي تركز فقط على إنعاش قطاعي النفط والغاز الطبيعي وتتجاهل القطاعات المنتجة على المدى البعيد كالزراعة والصناعة، والتي لا يمكن الاستغناء عنها لتحقيق الأمن الغذائي ومحاربة الفقر وبالتالي توفير بيئة أفضل للسلام المستدام في سوريا.

يجدر بخطط إعادة الإعمار في سوريا أن تستفيد من التجربة العراقية حيث إنها مرت بظروف مشابهة في عام 2003 ففي الحالتين يمثل تجذر الفساد عقبة كبيرة تحول دون تحقيق أي تقدم ملموس كما يساهم التدخل الأجنبي بشكل مباشر في ترسيخ هذا الفساد وإطالة أمده. سيدفع التوزيع العادل للموارد المالية والجهود المخصصة لإعادة الإعمار، بشكل إيجابي، باتجاه اقتصاد مستدام كما سيساهم في تحقيق ظروف السلام للشعب السوري.

يتحتم على الأطراف المختلفة في الشرق الأوسط الساعية إلى إعادة الإعمار في سوريا أن تصب جل اهتمامها على محاربة المحسوبية والفساد وأن تضع ذلك على رأس قائمة مهامها، حيث إن الفساد وحده كفيلاً بإجهاض أي جهود لإعادة الإعمار، وأن يحول دون تحقيق أي خطط تنموية من أي نوع في سوريا، بل وفي غيرها من المجتمعات التي استنزفتها الحروب حول العالم.

 

كلوي بيرنادو ، مرشحة لدرجة الدكتوراة في جامعة جنوب كاليفورنيا وباحثة مساعدة في مؤسسة Middle East Institute في واشنطن. بلمتابعتها على تويتر: Cbernadaux@