تنشر"صدى" مقالين يناقشان تداعيات وآثار الانسحاب الأميركي من أفغانستان على عدد من دول الشرق الأوسط. يطرح المحلل المختص بالشؤون الأردنية آرون ماجد، في المقال الأول، رؤيته بشأن الانسحاب الأميركي من أفغانستان وكيف يفيد الأردن من الانسحاب، قائلا إنه نظرًا إلى تبنّي الإخوان المسلمين في الأردن موقفًا داعِمًا بقوة لحركة طالبان، غالب الظن أن إدارة بايدن لن تُحمِّل الملك عبدالله أي تداعيات تُذكَر على خلفية الاستمرار في قمع الإخوان، على الرغم من المضاعفات التي تترتب على الديمقراطية الأردنية. وفي أعقاب سيطرة طالبان على أفغانستان، قد يُفيد الأردن أيضًا من الاهتمام الدولي بالصعوبات التي يواجهها في استيعاب اللاجئين.

وفي المقال الثاني، يناقش الكاتب السياسي محمد برهومة موقف دول الخليج من الانسحاب وترتيباتها لهذا الشأن، موضحا أن المهم بالنسبة لدول الخليج العربية هو أمران: أولهما أن تجتهد في الحصول من واشنطن على ما يُطَمئن هذه الدول بأن لا تتركها التحولات الأمريكية وحيدة تواجه مصيرها والتحديات الأمنية في المنطقة، وثانيهما أنْ تتكيف هذه الدول مع التحولات الأمريكية بسرعة تُمَكّنها من رفع مكانتها لدى واشنطن؛ وهما أمران كانا شديدي الوضوح في تطورات المشهد الأفغاني في الآونة الأخيرة.

الانسحاب الأميركي من أفغانستان قد يعود بالفائدة على الأردن

شكل انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان تحديا أمنيا لبعض دول الشرق الأوسط ولاسيما دول الخليج ما دفعها إلى إجراءات لحماية مصالحها، غير أن الانسحاب يشكل فرصة سانحة لبعض الأنظمة العربية مثل الأردن لإحكام قبضتها على معارضيها.

بعد ظهور الصور المقلقة من مطار كابول يُرجح أن بايدن سيعطي الأولوية للاستقرار في العلاقات مع الملك عبدالله على الرغم من الهواجس المتعلقة بحقوق الإنسان.

 

آرون ماجد

قبل أسابيع فقط من سقوط كابول، تحدّث العاهل الأردني الملك عبدالله عن السياسات الأميركية تجاه أفغانستان في مقابلة مع قناة "سي أن أن" قائلًا: "نظرًا إلى الثقافة السائدة هناك، وإلى نزيف الامبراطوريات في ذلك البلد طوال قرون، ربما كانت محاولة فرض الديمقراطية الغربية في وقت قصير جدًا... مهمةً عسيرة". تقليل الملك عبدالله من أهمية الديمقراطية الأفغانية معتبرًا أنها غير مناسبة لثقافة البلاد لا يختلف كثيرًا عن عدم استعداده للتخفيف من قبضته على السلطة طوال 22 عامًا من الحكم. لعل الرؤساء الأميركيين لم يعيروا آذاناً صاغية لنصائح الملك عبدالله بشأن أفغانستان خلال العقدَين المنصرمين، لكن يبدو أن المسؤولين في إدارة بايدن الذين تعرضوا، بعد سيطرة طالبان على البلاد، لانتقادات لاذعة من الكونغرس ووسائل الإعلام على خلفية عمليات الإجلاء الأميركية من أفغانستان، سوف يسعون إلى إعطاء الأولوية للاستقرار في العلاقات مع الأردن وغيره من حلفاء الولايات المتحدة المخضرمين بغض النظر عما إذا كان الملك عبدالله يعمل على تعزيز الديمقراطية في بلاده أم لا.

لقد تعهّد جو بايدن، خلال حملته الانتخابية، بتركيز سياسته الخارجية على الدفاع عن حقوق الإنسان في الخارج، مشددًا على أن "تعزيز الديمقراطية" سيُدرَج من جديد على الأجندة العالمية خلال عهده. في شباط/فبراير، أشار وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن إلى أن الولايات المتحدة سوف تحرص على "محاسبة منتهكي حقوق الإنسان". بناءً على ذلك، ناشد بعض أعضاء الكونغرس إدارة بايدن بربط المساعدات الأميركية لمصر وإسرائيل، الدولتَين المجاورتين للأردن، بالتزامهما بحقوق الإنسان. ومع اكتساب هذه المسألة أهمية أكبر، طرح البعض علامات استفهام بشأن الأردن الذي صنّفته مؤسسة "فريدوم هاوس" في خانة الدول "غير الحرة"، ومدى انسجامه مع أولويات الإدارة الأميركية الجديدة بشأن الدمقرطة نظرًا إلى أن الأردن تحتل المرتبة الثالثة بين الدول في حجم المساعدات الأميركية السنوية.

على الرغم من أن المملكة الهاشمية وجدت عناصر توافق أكبر مع إدارة بايدن بشأن القضية الفلسطينية مقارنةً بعهد ترامب، إلا أن الاستجابة لأجندة بايدن في مجال حقوق الإنسان تطرح تحديًا بالنسبة إلى الأردن. يملك البرلمان الأردني صلاحيات ملموسة قليلة، إذ يحافظ الملك عبدالله على دور مسيطر في الحكم، بما يشمل تعيين رئيس مجلس الوزراء وإقالته. وقد ورد في تقرير لوزارة الداخلية الأميركية عن الأردن في عام 2020 أن "المشاغل المهمة في مجال حقوق الإنسان تشمل حالات المعاملة القاسية وغير الإنسانية والمذلّة القائمة على العقاب والاعتقال التعسفي والحجز، بما في ذلك بحق النشطاء والصحافيين".  وقد عمدت السلطات الأردنية، المتوجّسة حتى من أشكال الانتقاد الخفيفة، إلى حل نقابة المعلمين العام الماضي، وصدرت أحكام بحبس خمسة من قيادييها بعدما احتجّت النقابة على المستوى المتدني لرواتب المعلمين. وبما أن قيمة المساعدات الأميركية للأردن تصل إلى نحو 1.5 مليار دولار في السنة، سوف تخسر المملكة الكثير في حال تدهورت العلاقات بين البلدَين، نظرًا إلى أن ديونها العامة تسجّل رقمًا قياسيًا يبلغ 45 مليار دولار.

بيد أن مسؤولًا كبيرًا في إدارة بايدن اقترح مجموعة بديلة من الأولويات في السياسة الخارجية في إيجاز قدّمه في 25 آب/أغسطس. فقد قال: "لسنا نحاول إحداث تحوّل في الشرق الأوسط، ولا الإطاحة بالأنظمة. نحن نتبع مسارًا مطردًا جدًا يتمحور حول أهداف قابلة للتحقيق؛ وانسجام الغايات والوسائل؛ وحول دعم شركائنا في المقام الأول. سوف تُعطى الأولوية للاستقرار في العلاقات التي تجمع الولايات المتحدة بالأردن منذ عقود طويلة، لأنه ليس بإمكان إدارة بايدن أن تتحمّل الظهور في موقع التخلي عن حليف مقرّب آخر من حلفاء واشنطن، فالأردن يستضيف نحو 3000 جندي أميركي، وتجدر الإشارة إلى أن عَمّان تحافظ على معاهدة السلام مع إسرائيل منذ عام 1994، وهي أولوية أميركية مهمّة في المنطقة.

على الرغم من أن الملك عبدالله واجه صعوبة كبيرة في إرساء الديمقراطية في الأردن، إلا أنه تمكّن إلى حد كبير من إظهار المملكة الهاشمية في موقع الجزيرة التي تنعم بالاستقرار عند الحدود مع العراق وسوريا اللتين ترزحان تحت وطأة النزاعات منذ سنين طويلة. كان عدد القتلى الذين سقطوا بسبب الإرهاب في الأردن خلال العقدَين الماضيين قليلًا نسبيًا بحسب المعايير الإقليمية، وتمكّن الأردن أيضًا من إحباط "مخطط" الفتنة المزعوم الذي اتُّهِم الأمير حمزة بالتورط فيه. بعد سقوط كابول، بات مستبعدًا بصورة متزايدة أن يمتثل بايدن للطلب الذي رفعته إليه منظمة العفو الدولية في تموز/يوليو لممارسة ضغوط قوية على الملك عبدالله في مسائل حقوق الإنسان، ويُستبعَد أيضًا أن تتخذ الولايات المتحدة خطوات لخفض رزمة المساعدات التي تُقدّمها إلى عَمّان وقدرها نحو 1.5 مليار دولار. وسوف تتجنّب واشنطن اتخاذ أي إجراءات من شأنها أن تؤدّي إلى سقوط عبدالله، ولو كان هذا الاحتمال بعيدًا جدًا.

تسلّط سيطرة طالبان الضوء أيضًا على التناقض الشديد بين جماعة الإخوان المسلمين التي تُعتبَر الحزب المعارض الأساسي في الأردن والمصالح الأميركية. بعد سقوط الحكومة الأفغانية، قدّمت جبهة العمل الإسلامي، وهي الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن، "التهاني" إلى حركة طالبان "لدحرها الاحتلال الأميركي الغاشم". في الواقع، سبق أن وصف الملك عبدالله جماعة الإخوان المسلمين التي تربطه بها علاقة صعبة بأنها "طائفة ماسونية... يديرها ذئاب في ثياب نعاج". العام الماضي، اتخذت المحكمة العليا الأردنية قرارًا بحل فرع الإخوان في البلاد، لأسباب قانونية، علمًا بأن التنظيم يحتفط بدعم شعبي قوي. ونظرًا إلى تبنّي الإخوان موقفًا داعِمًا بقوة لحركة طالبان، غالب الظن أن إدارة بايدن لن تُحمِّل الملك عبدالله أي تداعيات تُذكَر على خلفية الاستمرار في قمع الإخوان، على الرغم من المضاعفات التي تترتب على الديمقراطية الأردنية.

وفي أعقاب سيطرة طالبان على أفغانستان، قد يُفيد الأردن أيضًا من الاهتمام الدولي بالصعوبات التي يواجهها في استيعاب اللاجئين. فبعد مرور عقد على بدء الحرب السورية في عام 2011، لا تزال المملكة الهاشمية تستضيف على أراضيها أكثر من 600000 لاجئ سوري، علمًا بأن 25 في المئة من الأردنيين يعانون من البطالة. في 23 آب/أغسطس، أعلن وزير الخارجية الأردني أن بلاده توافق على استقبال 2500 أفغاني في طريقهم إلى الولايات المتحدة كبادرة إنسانية. وفي حين تتجنب بعض الدول الأوروبية استقبال لاجئين أفغان، يستطيع عبدالله أن يُقدّم الأردن في صورة الدولة المسؤولة التي تتحمّل عبء النزاعات الإقليمية.

سوف ينطبع الانسحاب الأميركي من أفغانستان على نحوٍ دائم بالتفجير الذي نفّذه تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان في مطار كابول في 27 آب/أغسطس والذي أسفر عن مقتل 13 جنديًا أميركيًا إضافةً إلى ما لا يقل عن 170 شخصًا آخر. يبدو أنه بعد سيطرة طالبان على أفغانستان، وربما بسبب هذه السيطرة، سوف يتردد بايدن في ممارسة ضغوط على عبدالله في موضوع الدمقرطة. وبما أن المسؤولين الأردنيين وإدارة بايدن على السواء قلقون من إشادة الأحزاب الإسلامية بالجهاديين، يبدو أن مصالح البلدَين سوف تلتقي حول تثبيت استقرار الحكم في المملكة الهاشمية.

 

آرون ماجد، محلل شؤون الشرق الأوسط مقيم في واشنطن. نشرت مقالاته في السياسة الأردنية في مجلة فورين بوليسي وفورين أفيرز والمونيتور. لمتابعته على تويتر @AaronMaged

 

 

كيف تتلقى دول الخليج الانسحاب الأمريكي من أفغانستان؟

شكل انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان تحديا أمنيا لبعض دول الشرق الأوسط ولاسيما دول الخليج ما دفعها إلى إجراءات لحماية مصالحها، غير أن الانسحاب يشكل فرصة سانحة لبعض الأنظمة العربية مثل الأردن لإحكام قبضتها على معارضيها.

تريد دول الخليج العربية أن تتكيف مع عودة الواقعية الأمريكية، وأنْ تتمكن من رفع مكانتها لدى واشنطن؛ وهو ما تجلى في تطورات المشهد الأفغاني، لكنها لا تريد أن تتركها التحولات الأمريكية وحيدة لمواجهة التحديات الأمنية.

 

محمد برهومة

 

على مدى العقود الماضية، ارتبطت إعادة الاصطفافات والحسابات لحلفاء واشنطن في الشرق الأوسط، في إحدى دوافعها الأساسية، ببدء الولايات المتحدة الأمريكية مرحلة جديدة في سياستها الخارجية.

اليوم، وبالتزامن مع طي إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن لحقبة من عمليات التدخل العسكري الأمريكي الكبرى التي استهدفت إعادة بناء دول أخرى، يسير حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط على نهج تكتيكي جديد يرتكز على ما تيّسر من إعادة بناء الداخل وتبني سياسة خارجية تقوم على بناء الجسور، وتبريد الصراعات مع الخصوم والبحث عما يعزز الشراكات التجارية معهم، ويقوّي التعاون الأمني الإقليمي لمواجهة التحديات المشتركة، الناشئة عن عقيدة بايدن الجديدة، وتداعيات كوفيد-19، ووصول لعبة التدخلات العسكرية الخارجية للقوى الإقليمية إلى حدّ مُضِرٍّ؛ استدعى من الجميع الاستدارة وإعادة توجيه الأولويات والاصطفافات الإقليمية نحو حَدَّيْ التعاون والتنافس وتقليص مستوى الصراع. ومع تَصدُّر أزمة أفغانستان، عمل حلفاء واشنطن في الخليج على مساعدتها في تنفيذ انسحابها وإنهاء ملف الإجلاء، والتحضير لمرحلة انتقالية مستقرة تقودها حركة "طالبان".

في هذا الصدد، تبدو دبلوماسية الوساطة القطرية في وضع أفضل - ومؤثرة - مما كانت عليه قبل اندلاع الأزمة الخليجية عام 2017. وعلى المستوى الدبلوماسي واللوجستي وإيصال المساعدات، ما يزال لدى الإمارات شيء لتلعبه في أفغانستان وغيرها، خصوصاً وهي تستعد للجلوس كعضو غير دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للفترة 2022-23. وبرغم المحادثات المستمرة منذ نيسان/أبريل 2021 بين الرياض وطهران لتخفيف التوتر بينهما، خاصة في اليمن، ليس ثمة ما يؤكد بأي اتجاه ستتجه سياستهما في أفغانستان الجديدة: هل إلى التعاون النسبي أم إلى تبني استراتيجيات متعاكسة؟

المهم بالنسبة لدول الخليج العربية أمران اثنان، على الأقل، أولهما أن تجتهد في الحصول من واشنطن على ما يُطَمئن هذه الدول بأن التحولات الأمريكية لا تتركها وحدها تواجه مصيرها والتحديات الأمنية في المنطقة، وثانيهما أنْ تتكيف هذه الدول مع التحولات الأمريكية بسرعة تُمَكّنها، كلاً على حِدَة، من رفع مكانتها لدى واشنطن؛ وهما أمران كانا شديدي الوضوح في تطورات المشهد الأفغاني في الآونة الأخيرة. سيكون نقل الخصومات الإقليمية مجدداً إلى أفغانستان أمراً محفوفاً بالمخاطر، وهذا يشمل المتنافسون الخليجيون فيما بينهم، وكذلك إيران والسعودية وتركيا، وعلاقة هؤلاء جميعاً مع كل من الهند وباكستان.

كما قد تكون أفغانستان ساحةً ومثالاً عملياً لكيفية إدارة دول مجلس التعاون الخليجي لسياسة متوازنة بين المصالح المتباينة لكل من الولايات المتحدة والصين وروسيا في بلد تحكمه "طالبان". الانسحاب الأمريكي من أفغانستان يتصادف تقريباً مع مرور عام على توقيع الاتفاقيات الإبراهيمية بين إسرائيل وأربع دول عربية. ويرى محللون أن ما حدث في أفغانستان يساعد، جزئياً، في تفسير سبب حدوث اتفاقيات إبراهيم.

في إحدى دوافعها كانت اتفاقيات إبراهيم تَحوُّطاً من تراجع مستوى الالتزام الأمريكي في الخليج، وفي هذا السياق كان استعداد الإمارات والبحرين لفتح علاقات رسمية مع إسرائيل. إن ما حدث في أفغانستان أخيراً عمّق الانطباع لدى هذه الدول بأنها لا تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة لحماية أمنها كما اعتادت على مدى عقود، وبأن الالتزام الأمريكي بالشرق الأوسط الكبير يشهد مزيداً من التراجع، وأن واشنطن تشجّع ترتيبات إقليمية على غرار الاتفاقيات الإبراهيمية لإدارة تداعيات ذاك التراجع.

في المدييْن الحالي والمتوسط، قد يتصدّر التوافق الإقليمي والدولي على دعم استقرار أفغانستان، ومنع أن تكون مغناطيساً يجذب الجماعات الإرهابية، لكن التنافس والصراع بين اللاعبين سيبقى موجوداً، وسيتحرك هؤلاء للبحث عن خيارات بديلة لتوسيع هوامش مصالحهم ومكاسبهم، وسيتضح المشهد شيئاً فشيئاً عن لاعبين أساسيين وآخرين ثانويين أو وكلاء.

في كل الأحوال، ربما يتعيّن على حلفاء واشنطن التكيّف مع اتجاه أمريكي، في ظل إدارة بايدن، نحو واقعية سياسية أقوى وقطيعة مع تقليد بدأ مع وودرو ويلسون ووصل ذروته في التسعينات من القرن الماضي حول الأممية الليبرالية ودعم حقوق الإنسان.

 

محمد برهومة، باحث أردني في الشؤون الخليجية، من كتّاب "الحياة" اللندنية (1994-2018) و"الغد" الأردنية (2007-2018). لديه اهتمامات فكرية وصدر له كتاب "الوعي الأخلاقي ودوره في الإصلاح الديني"(2014).