أثارت التعديلات الدستورية الأخيرة في الأردن تساؤلات ما إذا كانت استكمالاً لتعديلات سابقة ركزت على توسيع صلاحيات الملك والحد من دور الحكومات، لا سيما في ظل تزايد الانتقادات لتعثر مسار الإصلاح في المملكة التي تواجه ظروفاً اقتصادية صعبة، ومطالب متزايدة من سكان، يشكل الشباب حوالي الثلثين منهم، لإيجاد حلول للمعضلات الاقتصادية والسياسية، فضلاً عن عدم ثقة الأردنيين بالمؤسسات السياسية كالبرلمان والحكومة والقضاء والأحزاب السياسية. وبالتالي، فإن أي تأخير في إجراء إصلاحات قد يؤدي، إلى أضرار تزيد الأوضاع تعقيدا.

طبيعة التعديلات

أبرز التعديلات هو توسيع صلاحيات الملك عبد الله الثاني لتشمل تعيين رئيس الديوان الملكي ووزير البلاط ومستشاري الملك، إضافة إلى مدير الأمن العام وقاضي القضاة ورئيس المجلس القضائي الشرعي والمفتي العام، وقبول استقالاتهم منفرداً ودون توقيع من رئيس الوزراء أو الوزراء المختصين بذلك. ورغم أن الملك عُرفاً كان هو الذين يعين ويقيل كل هؤلاء، وكان دور الحكومة يقتصر على توقيع تلك القرارات دون أي تأثير فعلي، إلا أن المعارضين لتلك التعديلات رأوا فيها دسترة للتعدي على الدستور، وأنها تتنافى مع طبيعة النظام السياسي في الأردن بحسب دستور عام 1952 الذي ينص على أن النظام "نيابي ملكي".

أما التعديل الذي استحوذ على القسم الأكبر من الانتقادات فهو إنشاء مجلس الأمن الوطني والسياسة الخارجية برئاسة الملك، وتكون مهمته تولي القضايا المتعلقة بالدفاع عن المملكة والأمن الوطني والسياسة الخارجية، ويضم رئيس الوزراء ووزراء الدفاع والخارجية والداخلية وقائد الجيش ومدير المخابرات، وعضوين يعينهما الملك. هذا التعديل ينظر له على أنه تدخل مباشر بالعمل الحكومي وانتقاص من مبدأ الولاية العامة لمجلس الوزراء والذي بحسب المادة 45 من الدستور "يتولى إدارة جميع شؤون الدولة الداخلية والخارجية، باستثناء ما قد عُهد أو يُعهد به من تلك الشؤون، بموجب الدستور أو أي تشريع آخر إلى أي شخص أو هيئة أخرى".

تبريرات الحكومة

التبرير الحكومي للتعديلات أتى بحججه الخاصة، إذ قال رئيس الوزراء بشر الخصاونة إن صلاحيات الملك تنسجم مع الدستور، لافتاً إلى أن السلطة التنفيذية تناط بالملك، ويتولاها بواسطة وزرائه وفق الدستور. وأضاف أن التعديل يستهدف النأي بهذه المناصب عن التجاذبات الحزبية للحفاظ على حيادها، مؤكداً أن التعيين بإرادة ملكية منفردة لا يُعفي الوزراء من المساءلة. كما أشار إلى أن التعديلات تؤسس لمرحلة جديدة لتشكيل حكومات ذات أغلبية برلمانية. 

وكانت قد سبقت التعديلات الأخيرة التي أقرها مجلس النواب، تعديلات  أخرى في العام 2016 سارت على نفس النهج بدسترة صلاحيات الملك وتقنينها، وأعطته صلاحيات تعيين قائد الجيش ومدير المخابرات العامة مباشرة، دون أي دور ولو شكلياً لوزير الداخلية أو الدفاع ورئيس الوزراء، وجاء تبرير الخطوة على أنها لتحصين تلك المناصب الحساسة في حال تم اعتماد نظام الحكومات البرلمانية على نمط النموذج المغربي، أو أقله إعادة لتجربة الحكومة الحزبية التي أجهضت مع إقالة حكومة سليمان النابلسي عام 1957 والتي كانت أول وآخر حكومة حزبية تتشكل بالأردن وفق هذا النهج.

صعوبات اقتصادية وتأزم سياسي

تأتي هذه التعديلات وسط أوضاع اقتصادية صعبة تفاقمت جراء جائحة كورونا فبلغ مستوى الدين العام 34.3 مليار دينار (نحو 47 مليار دولار أميركي) وارتفعت نسبة البطالة إلى نحو 25 في المئة، وتشير بعض التقديرات غير الرسمية إلى رقم أعلى من ذلك، وأصبح التعثر المالي ظاهرة ملموسة في الأردن اضطرت آلاف الأردنيين إلى السفر للخارج هربا من المذكرات القضائية وأحكام السجن على المدينين منهم1، وهو ما دفع الحكومة لتعطيل بعض أحكام حبس بعض المدينين في محاولة لتقليص مدى التعثر المالي.

في السياق السياسي، أتت التعديلات وسط مناخ سياسي متأزم، إذ سجل الأردن تراجعا في مؤشر الحريات العامة، فبحسب مؤشر فريدوم هاوس تراجع تصنيف الأردن من بلد حر جزئيا إلى بلد غير حر وذلك " بسبب القيود الصارمة الجديدة المفروضة على حرية التجمع، وحل نقابة المعلمين في أعقاب سلسلة من الإضرابات والاحتجاجات، وعوامل منها عدم وجود استعدادات كافية أضرت بجودة الانتخابات البرلمانية أثناء جائحة كوفيد-19".  كذلك، بعد إقرار قانون الجرائم الإلكترونية الذي اعتُبر بمثابة تقييد لحرية التعبير، فضلاً عن تزايد عدد الاعتقالات السياسية، وحل جماعة الإخوان، التي لطالما اعتبرت كيانا سياسيا مرخصا منذ تأسيسها في المملكة عام 1945 2.

تبدل العلاقة وفقدان الثقة

ظاهرة عدم ثقة الأردنيين بالمؤسسات السياسية كالبرلمان والحكومة والقضاء والأحزاب السياسية يمكن رصدها، فقد أظهر استطلاع رأي لمركز الدراسات الاستراتيجية (مركز حكومي) ضعف ثقة المواطنين بتلك المؤسسات. تفسر حالة انعدام الثقة التشكك في قرارات الحكومة على مستوى السياسات الداخلية والخارجية.

شهدت العلاقة بين النظام الأردني والشعب تبدلا جذرياً، إذ كانت العلاقة بين الطرفين محكومة لوقت طويل بالنمط الريعي، بحيث تقدم الدولة الوظائف وبعض الخدمات الاجتماعية مقابل الولاء والتأييد للنظام، لكن شكل تلك العلاقة تبدل وتغير مع تخلي الدولة عن دورها الريعي وتبنيها نمطا اقتصاديا جديدا مع بداية الألفية الثانية، عمل على خصخصة بعض مؤسسات القطاع العام ورفع الدعم عن كثير من السلع والخدمات، لكن تلك السياسات لم تترك أثرا ملموسا يساهم في محاربة الفقر وتعزيز فرص العمل وتقليص الفروقات في الدخول.

الإصلاح

في المقابل، يشير مسؤولون أردنيون إلى وجود نية حقيقية للإصلاح السياسي، ولكن الموضوع يحتاج إلى تمهيد وتهيئة على المستويين الاجتماعي والسياسي، قد يحتاج سنوات. لكن المعارضة تتحدث عن إفراغ لأي حكومة برلمانية تنبثق عن التعديلات الدستورية والتي تسلبها صلاحياتها الدستورية وهو ما يعني عملياً حكومة شكلية، شبيهة بالبرلمان ومحدودة الصلاحيات، ولا تتمتع بالولاية العامة على الملفات الداخلية والخارجية.

اعتمدت ديناميكيات الإصلاح السياسي في الأردن على مقدار الضغط الشعبي ومدى استجابة ومرونة النظام الملكي، فقد امتلك النظام المرونة الكافية لإحداث تحول سياسي كبير عام 1989 عقب احتجاجات شعبية غير مسبوقة كان دافعها الأساس ارتفاع أسعار الوقود وتراجع الوضع الاقتصادي، حينها قام الملك الراحل الحسين بن طلال، على مدى السنوات التالية، بإحداث تحول سياسي ألغى فيها حالة الأحكام العرفية، التي حكمت الأردن منذ عام 1957 وعاد الأردنيون لانتخاب مجالسهم النيابية. لكن سرعان ما تراجعت مرونة النظام السياسي في الاستجابة للمتغيرات من خلال كبح عملية الإصلاح السياسي تدريجيا عبر حزمة من القوانين والإجراءات التي حدت من حرية الرأي، وأضعفت مجلس النواب إلى درجة لم يعد يحظى الا بثقة شعبية متدنية.

إذن، اليوم تأتي التعديلات الدستورية وسط مناخ فقدت فيها فئات شعبية بشكل متزايد ثقتها بالمؤسسات السياسية (برلمان حكومة)، ويُعرِض فيه أردنيون عن المشاركة في الانتخابات (لم تتعد نسبة المشاركة 30 في المئة في الانتخابات النيابية عام 2020)، ولم تكن اللجان المتعددة لاقتراح أفكار وإجراءات للإصلاح السياسي برعاية السلطات، كافية لخلق شعور عام بوجود جدية للإصلاح السياسي. وبذلك لم تمنح التعديلات أي دفعة إضافية لحالة الجمود السياسي باستثناء تصريحات رسمية عامة عن حكومات برلمانية سيتم العمل بها دون سقف زمني واضح، ودون إطار دستوري يُمَكِن الحكومة من تطبيق مبدأ الولاية العامة على الشؤون الداخلية والخارجية.

إجراءات جدية

لذا، اتباع إجراءات تظهر جدية الحكومة في محاربة الفساد وبناء اقتصاد منافس وحديث، وإصلاح القطاع البيروقراطي الحكومي، ستكون طريقة فعالة لاستعادة الثقة، والحد من الاعتماد على الضرائب المباشرة وغير المباشرة التي تشكل جزءا رئيسا من مداخيل الموازنة، في الوقت الذي تقدم الدولة فيه، بالمقابل، خدمات أساسية ذات مستوى متدن في مجالي الصحة والتعليم وغيرهما، ما يدفع الأردنيين للشعور بأنهم يدفعون ضرائب باهظة بالمقارنة مع مستوى دخولهم ورغم ذلك لا يحصلون على خدمات جيدة.

سيعيد المضي بالإصلاح السياسي بناء الثقة بين السلطة والشعب، وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن القيام بإلغاء قوانين مثل قانون الجرائم الالكترونية، وتلك التي تتيح محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية،3 إضافة إلى تعديل دستوري يضمن التطبيق العملي والكامل لمبدأ "النيابي الملكي" من خلال مجلس نواب ذي صلاحيات كاملة في التشريع وتشكيل حكومات برلمانية، سيمهد الطريق لتحقيق إصلاح قد يؤدي تأخيره المتزايد إلى أضرار يصعب إصلاحها.

 

طارق النعيمات صحفي وباحث أردني، مقيم في لندن، يعمل سكرتير تحرير بموقع "العربي الجديد"، لمتابعته على تويتر @TareqAlnaimat

ملاحظات

1مصدر حكومي قال للكاتب أن الأرقام يصعب حصرها، لكنه أكد تضاعف الجالية الأردنية في كل من تركيا ومصر وبعض البلدان الأخرى، وذلك يرجع بشكل رئيسي إلى ظاهرة المتعثرين ماليا الهاربين من طلبات قضائية

2 "قرار الحل جاء بعد أن أصدرت محكمة التمييز قرارا يقضي باعتبار جماعة الإخوان المسلمين منحلة حكما وفاقدة لشخصيتها القانونية والاعتبارية وذلك لعدم قيامها بتصويب أوضاعها القانونية وفقا للقوانين الأردنية".

3 ديفيد لينفيلد، يمكن للأردن رأب الصدع العام من خلال إصلاحات خمسة، مركز كارنيغي