يشكل اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية، الذي وُقِّع في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2022، فرصةً حقيقية – إنما هشّة – للبلدَين. ففيما يواجه النظام اللبناني اضطرابات سياسية في الداخل، يمكن أن يؤمّن له إبرام الاتفاق رصيدًا سياسيًا هو بأمس الحاجة إليه، لأن التوقيع يأتي في وقتٍ يشهد لبنان فيه أزمة اقتصادية تسببت بتعطيل النمو وخفض الإنتاجية في قطاع الطاقة. يسعى اتفاق ترسيم الحدود البحرية، الذي تم نتيجة للجهود الدبلوماسية التي بذلها مستشار شؤون الطاقة في وزارة الخارجية الأميركية، أموس هوكستين، إلى إنهاء الخلاف على خطوط الحدود المقترحة للتنقيب عن الغاز والنفط في الطرف الشرقي للبحر المتوسط. ولكن السؤال المطروح هو التالي، هل سيتكلل الاتفاق بالنجاح ويُكتَب له الاستمرار في ضوء ما يواجهه من تحديات سياسية كبيرة ينبغي تخطّيها؟

يشير الاتفاق إلى الخط 23 الذي يتيح لإسرائيل ولبنان على السواء الاستفادة من استخراج المواد الهيدروكربونية والغاز الطبيعي من حقلَي كاريش وقانا على التوالي. وهو يمنح لبنان فرصة الاستفادة من حقل قانا من أجل معالجة النقص الذي يعانيه في قطاع الطاقة، ولكن الحقيقة هي أن العائدات قد تصبح، في نهاية الأمر، في قبضة النخبة السياسية اللبنانية. وقد يحول ذلك دون حدوث تأثير تدرجي للعائدات تستفيد منه بقية طبقات المجتمع، وهو الأمر الذي تسعى الحكومة اللبنانية إلى استخدامه لترسيخ نفوذها.

علاوةً على ذلك، يأتي الاتفاق إثر قبول لبنان بالخط 23 بدلًا من الخط 29 خلال المفاوضات. كان الخط 29 ليتيح للبنان الحصول على قسم من حقل كاريش الذي تسعى إسرائيل إلى استخراج المواد الهيدروكربونية منه. واقع الحال هو أن حصول لبنان على حقل قانا لا يضمن له القدرة على استخراج الغاز منه بلا أي قيود نظرًا إلى أن الاستخراج يخضع لموافقة إسرائيل بموجب الاتفاق. ويُشار في هذا الصدد إلى أن الشركة الفرنسية "توتال" هي التي ستتولى عملية التنقيب واستخراج الغاز في حقل قانا، ولكن عليها أولًا التوصل إلى اتفاق مالي مع إسرائيل من دون موافقة مسبقة من بيروت. مختصر القول أن الاتفاق سيتيح لإسرائيل احتكار حقل كاريش، فيما سيتوجب على لبنان تشارك 17 في المئة من عائدات حقل قانا مع شركة "توتال"، والحصول على الموافقة الإسرائيلية على أنشطته في الحقل. تبعًا لذلك، أفضل توصيف للاتفاق هو أنه تسوية سياسية قبِل بها لبنان، وليس إطارًا طويل الأمد للسلام بين البلدَين.

على الجبهة الأمنية، يلوح التهديد الملموس بأن يؤدّي حزب الله دورًا أساسيًا في إفشال تنفيذ الاتفاق. لقد أعطى أمين عام الحزب حسن نصرالله ضمانات أمنية للقيادة الإسرائيلية بعدم استهداف حقل كاريش. ودقّق كبار المسؤولين في الحزب بالاتفاق كاملًا قبل الموافقة عليه، ما يؤشّر إلى التخلي عن الموقف الرافض للتنازلات الذي تمسّك به حزب الله طوال سنوات في موضوع المفاوضات الحدودية مع إسرائيل. لكن السؤال المطروح هو التالي، هل سيحافظ حزب الله على موقفه المهادن؟ 

في الوقت الراهن، يفتقر التنظيم إلى الدعم الشعبي في لبنان، وقد ينساق وراء إغراء استغلال الأوضاع السياسية الهشّة في البلاد من خلال استخدام خطابه عن المقاومة ردًا على خصومه في السياسة، والإشارة إلى تعاملاتهم مع إسرائيل.

من الواضح أنه ستبقى هناك علامة استفهام حول استدامة اتفاق ترسيم الحدود البحرية في غياب الإصلاحات والجهود السياسية الفعلية لكبح نفوذ حزب الله في السياسة اللبنانية. وفي حين أن الاتفاق يسلّط الضوء على اعتراف لبنان بإسرائيل ويحمل مؤشّرات إيجابية لمستقبل العلاقات الدبلوماسية، لن يتمكن لبنان من ضمان استمرارية الاتفاق والاستفادة من الإمكانات التي يتيحها لتعزيز السلام إلا من خلال ضبط المخرّبين والعمل على تحقيق الاستقرار السياسي على نطاق أوسع.

حمزة رفعت حسين مساعد أبحاث مشارك في معهد إسلام أباد للأبحاث عن السياسات في باكستان وزميل زائر في مركز ستيمسون في واشنطن.