اعتقلت السلطات المغربية يوم 21 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي نقيب المحامين ووزير حقوق الإنسان الأسبق محمد زيّان (80 سنة) في مكتب محاميه بالعاصمة الرباط، حيث اقتحم المكتب عشرون عنصرا أمنيا يرتدون زياً مدنياً، دون تقديم أيّ قرار قضائي يسمح بالاعتقال، وفق بيان "الهيئة الوطنية لمساندة معتقلي الرأي".

وقد أدانت محكمة الاستئناف بالرباط زيّان بالحبس النافذ لثلاث سنوات بتهمة "إهانة رجال القضاء وموظفين عموميين؛ وبث ادعاءات ووقائع كاذبة؛ وإهانة هيئات منظمة.." اعتمدت المحكمة في أدلتها على التصريحات المصورة التي أدلى بها زيّان للصحافة، والتي تتضمّن نقدًا لاذعًا للقصر الملكي والأجهزة الأمنية ورئيس الحكومة عزيز أخنوش وفوزي لقجع، الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، إذ اتهم الاثنين بالفساد المالي وتضارب المصالح.

على امتداد أربع سنوات قبل اعتقاله، واجه زيّان حملة تشهير واسعة شنّتها ضده مجموعة من وسائل الإعلام التي لا تخفي ولاءها للسلطات المغربية. على سبيل المثال، نشر موقع إلكتروني يعلن صراحة تبعيته لأجهزة الأمن فيديو جنسي يظهر فيه زيان وهو عاري في غرفة النوم مع امرأة. اتهم زيّان جهاز المخابرات بفبركة هذا الفيديو لقتله معنويًا وتشويه سمعته لدى الرأي العام المغربي المحافظ بطبعه.

من المرجّح أن يكون اعتقال محمد زيّان – الذي كان مقربًا من نظام الملك الراحل الحسن الثاني لكنّه غيّر مواقفه بشكل تدريجي مع الاعتقالات التي طالت المشاركين في مظاهرات حراك الريف في عام 2017 واعتقال مجموعة من الصحفيين بتهم أخلاقية ملفقة ابتداءً من عام 2018 – مرتبط بمطالبته بحل المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (المخابرات الوطنية المعروفة اختصارًا بـ "La DST"). فقد أصدر "الحزب المغربي الحر"، الذي يترأسه زيّان، بيانًا شديد اللهجة يندِّد فيه بنشر بعض "المواقع الإلكترونية المعروفة وطنيا ودوليا بقربها من جهات أمنية، مقالات وصور ماسة بالحياة الخاصة للمواطنين".

يَعتبر زيّان أنّ جهاز المخابرات الداخلية تحوّل إلى "بوليس سياسي" متخصص في مراقبة المعارضين والتجسس على حياتهم الخاصة. ويبدو أنّ هذا الموقف تبلور أيضًا لدى مجموعة من الحقوقيين المغاربة مثل معطي منجب وفؤاد عبد المومني وخديجة رياضي بعد الانتشار الواسع للمقالات التشهيرية الصادرة عن الصحف والمواقع الإلكترونية المقرّبة من أجهزة الأمن، والتي تستهدف الصحفيين المستقلين ونشطاء حقوق الإنسان عن طريق نشر صور ومعلومات حميمة عنهم قد تكون صحيحة أو مفبركة. على سبيل المثال، يقوم "إعلام التشهير" بتهديد المستهدف بنشر فيديوهات جنسية منسوبة له إذا لم يتوقف أو يُعدِّل لهجته المنتقدة للقصر الملكي. حصل هذا الأمر مع المدافع عن حقوق الإنسان والباحث الاقتصادي المخضرم فؤاد عبد المومني، الذي لم يُذعن لتهديدات الصحف التشهيرية واستمر في نقده للقصر الملكي، ليتفاجأ بتسريب فيديوهات جنسية منسوبة إليه.

ويرى أبو بكر الجامعي، مدير برنامج العلاقات الدولية في المعهد الأمريكي الجامعي في إيكس أون بروفونس، أنّ السلطوية المغربية أصبحت تراهن على ترهيب المغاربة من خلال استعمال أدوات قمعية جديدة تتعلق بالتجسس على الحياة الخاصة للصحفيين والسياسيين. ويعتقد الجامعي أنّ التشهير الإعلامي لا يستهدف فقط النخب المعارضة أو المستقلة عن النظام، بل يؤثّر أيضًا في نفسية الأشخاص المقربين من السلطة، حيثُ يسيطر الخوف على الجميع.

أسلوب "القمع الجديد" الذي صارت تعتمده السلطوية المغربية وثّقته منظمةُ "هيومن رايتس ووتش" في تقريرها الصادر في يوليو/ تمّوز 2022، والمعنون بـ "سينالون منك مهما كان". يؤكّد التقرير على أنّ منظومة القمع المغربية ترتكز على مجموعة من التكتيكات التي تهدف إلى "ترهيب الأصوات المنتقدة والمعارضين المحتملين للنظام".

تتلخص هذه التكتيكات في المحاكمات غير العادلة وأحكام السجن الطويلة التي تستهدف الصحفيين المستقلين من أمثال توفيق بوعشرين (مُدان بـ 15 سنة سجنًا)، وعمر الراضي (مُدان بـ 6 سنوات سجنًا) وسليمان الريسوني (مُدان بـ 5 سنوات سجنًا)؛ وحملات التشهير في وسائل الإعلام الموالية لأجهزة الأمن والمراقبة الرقمية والتصوير السري والترهيب الجسدي والمراقبة اللصيقة؛ بالإضافة إلى استهداف أقارب المعارضين.

وقد تزامن تدهور وضع حقوق الإنسان في المغرب مع تطبيع الرباط علاقاتها مع إسرائيل بوساطة أمريكية في إطار "اتفاقيات أبراهام" (Abraham Accords). من الواضح أنّ النظام المغربي يراهن على دعم إسرائيل في التأثير على الحكومات الغربية – وخصوصًا الإدارة الأمريكية – فيما يخص الصمت على انتهاكات حقوق الإنسان. روّج الإعلام الموالي للنظام هذه الفكرة، معتبرًا أنّ الطريق إلى واشنطن تمرّ عبر تل أبيب.

وأمام ضعف النخب المعارضة للنظام التي صارت تتفادى المواجهة المباشرة مع القصر الملكي والأجهزة والأمنية؛ وشبه غياب الصحف الوطنية المستقلة بفعل القمع؛ وتراجع دور جمعيات المجتمع المدني، يستمر النظام المغربي في تطبيق وصفته القمعية لإسكات الأصوات الحرة ومراقبة المجتمع، لكنّه في الوقت نفسه يبدو أنّه يفعل ذلك لشعوره، أي النظام، بالضعف والهشاشة مع الانتقادات الشعبية الواسعة الموجهة ضده – خصوصًا من لدن الشباب – على وسائل التواصل الاجتماعي مؤخرًا، والتي زادت مع موجة ارتفاع الأسعار وتطبيع العلاقات مع إسرائيل.

عبد اللطيف الحماموشي، باحث في العلوم السياسية وصحفي استقصائي مغربي. وهو عضو المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان. لمتابعته على تويتر @AHamamouchi