في 10 آذار/مارس 2014، ألقى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس كلمة بُثَّت عبر التلفزيون الرسمي أمام 120 عضواً في المجلس الثوري لحركة فتح. وقد اختار عباس تخصيص نحو نصف خطابه الذي استمرّ ساعتَين، لتوجيه سلسلة اتهامات إلى محمد دحلان، الرئيس السابق لجهاز الأمن الوقائي في السلطة الفلسطينية في قطاع غزة. فقد اتّهم دحلان الذي طُرِد من حركة فتح في العام 2011 ولم يعد يتولّى أي منصب رسمي في السلطة الفلسطينية، بالفساد والضلوع في الاغتيالات والعمالة لإسرائيل. حتى إن رئيس السلطة الفلسطينية لمّح إلى أنه ربما كان لدحلان دور في وفاة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. وقد ردّ دحلان من جهته على التهم المنسوبة إليه في مقابلة مع قناة "دريم" المصرية هاجم فيها عباس وأسرته، متّهماً إياه بالتواطؤ والفساد، كما شكّك في قدرة عباس البالغ من العمر 79 عاماً، على قيادة حركة فتح والسلطة الفلسطينية، واعتبر أنه هو، أي دحلان (52 عاماً)، من يمثّل جيل فتح الجديد. يسلّط هذا التصعيد الأخير في الخلاف بين الرجلَين، الضوء على الفوضى وأزمة الخلافة الحادة داخل حركة فتح، ويُهدّد بالتسبّب بمزيد من التراجع في الصورة العامة للحركة، وبإثارة النفور لدى الرأي العام الفلسطيني. والأسوأ من ذلك، قد يؤدّي إلى اندلاع عنف داخلي بين أنصار كلا الفريقَين في فتح على مشارف انعقاد المؤتمر العام للحركة في آب/أغسطس المقبل.

بعد سيطرة حركة حماس على المراكز الأمنية للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة في العام 2007، غادر دحلان القطاع متوجّهاً إلى الضفة الغربية برفقة عدد كبير من أنصاره. وسرعان ما انتشر نفوذه في صفوف حركة فتح في الضفة الغربية والمؤسسات المتعدّدة التابعة للسلطة الفلسطينية هناك، ولاسيما داخل الأجهزة الأمنية. وقد استخدم دحلان آليتين أساسيتين لكسب المؤيّدين. فمنذ أواخر التسعينيات، استطاع تعيين أنصاره في مناصب مهمّة في مؤسسات السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. وبعد الانفصال بين الضفة الغربية وقطاع غزة في العام 2007، استخدم نفوذه المالي خارج فلسطين لتعزيز هذه الروابط وتدعيم صلاته داخل هذه المؤسسات. وكذلك استغلّ دحلان بمهارة الصراعات القائمة داخل حركة فتح عبر الانحياز لأفرقاء معيّنين. فعلى سبيل المثال، نجح في ضمّ توفيق الطيراوي، العضو البارز في لجنة فتح المركزية، إلى صفوف أتباعه عبر استغلال الصراع المعروف بين الطيراوي وجبريل رجوب، أحد ألدّ خصوم دحلان. ومع استمرار شبكة دحلان بالتوسّع، أُضعِفت مواقع خصومه أكثر فأكثر في قيادة فتح. واتّهم دحلان وأنصاره عباس وأتباعه مراراً وتكراراً بالضعف، وفقدان السيطرة على حركة فتح، وسوء إدارة شؤون السلطة الفلسطينية، الأمر الذي أثار قلق عباس وخصوم دحلان في الضفة الغربية، ولاسيما جبريل رجوب. وفي حزيران/يونيو 2011، طردت لجنة فتح المركزية دحلان من الحركة، وأطلقت السلطة الفلسطينية جهوداً حثيثة لإقصاء أنصاره والقضاء على شبكاته المالية في الضفة الغربية وغزة على السواء. لكن هذه الجهود لم تكن فعّالة. ففي الانتخابات المحلية الفلسطينية التي أجريت في الضفة الغربية في تشرين الأول/أكتوبر 2012، فازت القوائم المرتبطة بدحلان في معظم انتخابات المجالس المحلية، في حين تكبّدت قوائم فتح الرسمية هزائم واسعة.

يبدو أن النزاع المتصاعد يتسبّب بأزمة حادة على مستوى الخلافة في حركة فتح. لقد شهدت فتح الكثير من الخلافات بين مختلف الفصائل في الماضي، لكن الخلاف الحالي يلحق بها الضرر الأكبر، نظراً إلى توقيته وضلوع أفرقاء بارزين فيه. من المقرّر أن تعقد الحركة مؤتمرها العام السابع في آب/أغسطس المقبل لاختيار قيادات جديدة (للجنة المركزية، والمجلس الثوري، ومنصب الرئيس)، لكن الانقسام على مستويَي القيادة والقواعد الشعبية يُعرِّض الحركة إلى مزيد من المشاكل والاضطرابات في الأشهر المقبلة. ومما لاشك فيه أن المحنة التي تتخبّط فيها فتح ستشتدّ خلال الأسابيع المقبلة مع انتهاء الجولة الراهنة من محادثات السلام في 29 نيسان/أبريل الجاري، والتي يُستبعَد أن تُطلق تطوّرات جديدة في المأزق الإسرائيلي-الفلسطيني. في حال فشلت المحادثات، قد تنهار السلطة الفلسطينية، كما جاء على لسان كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات، الأمر الذي من شأنه أن يسدّد ضربة قوية لحركة فتح التي تعاني أصلاً من الشقاق في صفوفها، ويتسبّب أكثر فأكثر بإضعاف ثقة الرأي العام بها. وفي مثل هذه الظروف، ستكون حركة حماس المستفيدة الأساسية، لأنها تقدّم نفسها البديل الحيوي الوحيد عن النهج الذي تتّبعه فتح والذي فشل في وضع حد للاحتلال.

كانت للصراع داخل فتح تداعيات واسعة النطاق وصلت إلى غزة حيث يتمتّع دحلان بشعبية كبيرة وسط أعضاء فتح. في حين أنه من الصعب أن نحدّد بدقة حجم التأثير الذي يمارسه هناك، يتردّد أن لديه آلاف الأنصار داخل حركة فتح في قطاع غزة. وقد تجلّت شعبيته في القطاع بوضوح في الانتخابات البرلمانية في العام 2006، مع تحقيقه نصراً كاسحاً في خان يونس في مواجهة مرشّح حماس البارز، يونس الأسطل. وقد ذكرت تقارير أن عباس حاول مؤخراً أن يقطع الرواتب عن عناصر الأجهزة الأمنية في فتح الذين تجمعهم روابط بدحلان في غزة، خوفاً من طموحات هذا الأخير. فضلاً عن ذلك، يبدو أن حماس تحاول بخفر التقرّب من دحلان أملاً في تخفيف الحصار المفروض على غزة من الجانب المصري، إذ يُعَدّ دحلان مقرّباً من النظام العسكري في مصر. ففي كانون الأول/ديسمبر الماضي، منحت حماس الإذن للعديد من المنظمات الخيرية التي تديرها زوجة دحلان كي تستأنف عملياتها في غزة، ووافقت في كانون الثاني/يناير الماضي على عودة ثلاثة فتحاويين تجمعهم روابط وثيقة بدحلان إلى غزة، وهم ماجد أبو شمالة وسفيان أبو زيدة وعلاء ياغي.

يزيد الدعم الذي يتمتّع به دحلان في غزة كما في بلدان عربية أخرى، من حدّة التحدّي الذي يطرحه على قيادة فتح الحالية. يُقال إن لدحلان تأثيراً في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الأردن ولبنان، وكذلك لدى الحكومات في الإمارات العربية المتحدة (التي أوقفت مؤخراً بعضاً من مساعداتها المالية للسلطة الفلسطينية)، وفي مصر. وقد تحدّثت تقارير عن اجتماعات بين المشير عبد الفتاح السيسي ودحلان، فيما يحاول السيسي التوسّط لإعادة قبول دحلان في حركة فتح. فالنظام المصري يرى في دحلان قوّة مضادة لحركة حماس، على ضوء الشعبية الواسعة التي يتمتّع بها في أوساط أنصار فتح في غزة، لابل أيضاً قوة مضادّة في مواجهة أنصار جماعة الإخوان المسلمين المصرية في سيناء، نظراً إلى وجود بعض رجاله هناك. لولا حصول دحلان على ضوء أخضر من النظام العسكري في مصر لما أمكنه شنّ هجوم على عباس عبر قناة مصرية. يبدو أن الجنرالات في مصر غاضبون من عباس بسبب رفضه المصالحة مع دحلان، ويتعاملون ببرودة معه في الآونة الأخيرة. وقد سعى عباس بدوره إلى الحصول على الدعم من شركائه الخارجيين، ولاسيما من النظام الأردني، لمساعدته على كبح نفوذ دحلان. لم يتّخذ الأردنيون خطوات رسمية بعد، لكنهم قد يعمدون في الأشهر المقبلة إلى التضييق على أنصار دحلان أو مصادر تمويله في الأردن.

في ظل هذا التجاذب، ترتفع مزيد من الأصوات داخل فتح لمطالبة عباس بتعيين نائب له يمكن أن يخلفه في رئاسة السلطة الفلسطينية. من المرشّحين القلائل لهذا المنصب الذين يتمتّعون بالشعبية الكافية لمواجهة التحدّي الذي يشكّله دحلان، مروان البرغوثي الذي يمضي عقوبة بالسجن المؤبّد في إسرائيل لضلوعه في هجمات على أهداف إسرائيلية خلال الانتفاضة الثانية. ففي استطلاعات الرأي التي أجريت في الأعوام السابقة، ظهر البرغوثي على الدوام الشخصية الأكثر شعبية في أوساط الرأي العام الفلسطيني، فضلاً عن تمتّعه بدعم واسع داخل حركة فتح. وقد ضاعف عباس مؤخراً جهوده من أجل الحصول على الإفراج عن البرغوثي. بيد أن إسرائيل لم تُظهر أي مرونة في هذا الإطار، وتبدو حظوظ إطلاق صراحه ضئيلة في الوقت الحالي. ولذلك مع استبعاد الإفراج عن البرغوثي ودخوله الساحة السياسية الفلسطينية من جديد، غالب الظن أن النزاع الحالي سيستمر. لايعزّز سلوك الفصيلَين المتناحرين داخل فتح موقف أيّ منهما، بل على العكس يتسبّب أكثر فأكثر بإضعاف ثقة الرأي العام بالحركة وبقدرتها على تحقيق إنجازات ملموسة للشعب الفلسطيني. في المقابل، من شأن حماس المعزولة دولياً والضعيفة مالياً، أن تحقّق المكاسب الأكبر من الانشقاق في صفوف فتح.

محمود جرابعة باحث في مركز إيرلانغن للإسلام والقانون في أوروبا ومقرّه ألمانيا. مؤلّف "حماس: مسيرة متردّدة نحو السلام" (رام الله: المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، 2010). وليهي بن شطريت أستاذة مساعدة في كلية الشؤون العامة والدولية في جامعة جورجيا في أثينا. كلاهما يساهمان بانتظام في نشرة صدى.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.